شرح نص ( سلوتُمُ، وبقينا نحن عُشّاقا ) ...، لابن زيدون


مناسبة النص :
يتشوّق الشاعر في هذه القصيدة لمحبوبته ولّادة بنتِ الخليفة المستكفي التي بذل لها نفسه وعصارة قلبه وخلاصة شِعره، ويتذكرها وهي بعيدة عنه، يستعطفها ويذكّرها بأيامهما الماضية لعلها ترقُّ وتلين، لتعيدَ ما كان بينهما من ريِّق الوصالِ، وأنيسِ الوداد. والقصيدة من الغزل العفيف الذي برع فيه الشاعر وأبدع؛ لأنَّه نابعٌ من عاطفة نفسية صادقة. تسيطر على الشاعر تجربةٌ قويةٌ، تجربة حب واشتياق، تعكس حالةً وجدانيةً متكاملةً 


.
وزن القصيدة ورويها: القصيدة من البحر البسيط. ورويها: القاف (التي جاءتْ مشبعةً بألف الإطلاق) كأنها توحي بالبعد والفراق وانطلاق المشاعر؛ لتُخرجَ ما في النفس من همٍّ وحرمان.
ملامح شخصية ابن زيدون :شاعر رقيق الحس، عفيف الغزل، قوي الموهبة، وفيٌّ لحبيبته، كما أنه ذو الوزارتين: السيف والقلم، وهو السجين الهارب المطارد، لُقب ببحتري الغرب تشبيهًا له ببحتري الشرق في رقة تعبيره وروعة أساليبه وانطلاق خياله وأصالة فنه وقدرته على التحليق الشعري، حيث يتميز شعره بالعذوبة وتوفر النغم الموسيقي والسهولة، كما يتميز بمزجه الغزل بوصف الطبيعة، مما أعطى لقصائد الحب  إطارًا طبيعيًّا مُشرِقًا، وجعلها شبيهة باللوحات المصورة الناطقة بالفن الرفيع، والشعور المرهف والوجد المتقد المبرح.
شرح النص
1. إِنّـي ذَكَرتُـكِ بِالزَهـراءِ مُشتـاقا           وَالأُفقُ طَلقٌ وَمَرأى الأَرضِ قَد راقا
المفردات:
الزهراء: اسم مدينة بناها عبد الرحمن الناصر في إحدى ضواحي قرطبة.         الاشتياق: اللوعة.
الأفق: الناحية من الفضاء، ومنتهى مد البصر، والجمع آفاق.         طلق: بهي رائع
 راقَ: (ر و ق) صفا وأعجب الناظر وسرَّهُ الجمالُ الرائق.          مرأى الأرض: منظرها
الأفق طلقٌ، ومرأى الأرض قد راقا: استعارة مكنية
يبدأ الشاعر قصيدته بمناجاة حبيبته مُعلنًا بأنه في أشد حالات الاشتياق إليها، وما حوله من طبيعة يتضافر ليخلق له جوًا يهيج مشاعره، فيخاطبها قائلًا لها: إنيّ تذكرتك وأنا في مدينة الزهراء الجميلة، فازددت شوقًا إليك وتعلقًا بك، في الوقت الذي كانت فيه السماءُ صافية ووجه الأرض ضاحكًا.
2. وَلِلنَسيـمِ اِعتِـلالٌ فـي أَصائِـلِـهِ           كَأَنَّـهُ رَقَّ لـي فَاعـتَـلَّ إِشفـاقـا
 النسيم :الريح اللينة اللطيفة.
 اعتلال النسيم  مادته (ع ل ل)  معناه الأصلي: مرض: والمقصود هنا: رقته وضعفه، ذو الهواء المنعش. 
   أصائله:  المفرد: (أصيل) الوقت بين العصر والمغرب.
رقّ: (ر ق ق) لان ولطف، مشفقًا لحالي من الرقة والرحمة.   اعتلَّ: (ع ل ل) رق وضعف كالمريض . الإشفاق :الرأفة والرحمة
جاء النسيم ليشارك الشاعر ذكرياته وقت الغروب تجاوبًا لحال الشاعر فبدا وكأنه إنسان مريض يشاركه آلامَه فَلانَ ورقَّ وتعاطفَ معه .
3. وَالرَوضُ عَن مائِهِ الفِضِـيِّ مُبتَسِـمٌ             كَما شَقَقـتَ عَـنِ اللَبّـاتِ أَطواقـا
 الروض: مفردها الروضة، وهي أرض مخضرة بأنواع النبات (تجمع على رياض وروضان).
 مبتسم: متفتح يشبه طوق الثوب عند فتحة العنق أعلى الصدر . شققت: أظهرت وكشفت.
 اللبّات: جمع، مفردها: "لَبَّة" وهي موضع القلادة من الصدر .أطواق: جمع، مفردها "طوق" وهي ما يحيط بالعنق من الثوب.
الجماليات:
البيت فيه تشبيه تمثيلي: حيث شبه صورة الماء وهو يجري متلألِئًا بين الرياض الخضراء، بصورة فتاة جميلة قد شقت وكشفت عن صدرها فبان جمالها وبياضها.
الروض مبتسمٌ: استعارة مكنية.      مائه الفضيّ: تشبيه بليغ، شبه صفاء الماء بالفضة
يصف الشاعر جمال الطبيعة من حوله والتي كانت مبتهجة متجاوبة مع ما يشعر به ابن زيدون في تلك اللحظات، فبدت الرياض المليئة بالندى مبتسمة متفتحة؛ لتكشف عن جمال المياه البيضاء الممتدة بين جنباتها وكأن الرياض فتاة جميلة كشفت عن أطواقها فظهر موضع لبّها، فبدا منه جمال وبياض صاف كالمياه البيضاء الممتدة بين جنبات الرياض.

4. يَـومٌ كَأَيّـامِ لَـذّاتٍ لَنـا انصَرَمَـتْ         بِتْنا لَها حيـنَ نـامَ الدَهـرُ سُرّاقـا
 يوم: اليوم الذي تذكر فيه محبوبته.     لذات: مفرده لذة وهي المتعة.   انصرمت: تولت وذهبت ومضت.
سراقا: كأننا نسرق خلسة كي لا يرانا عاذل أو حاسد. وهي صيغة مبالغة.
يصف الشاعر هنا روعة هذا اليوم الذي تذكر فيه محبوبته، وأنه يوم جميل كجمال الأيام الممتعة التي أمضوها في اللذات خلسة، يلهون سويًا بعيدين عن رقابة الحساد ورقابة الدهر بين هذه البساتين، وهو هنا يخاطب محبوبته.
5. نَلهو بِما يَستَميلُ العَيـنَ مِـن زَهَـرٍ             جالَ النَدى فيهِ حَتّـى مـالَ أَعناقـا
 نلهو: نمرح ونلعب.     يستميل: يجذب النظر إليه.    جال الندى فيه: تحرك وامتلأ منه فمال عنقه.  مال: انحنى إلى أسفل.
بما: ما: اسم موصول بمعنى الذي مجرور بكسرة مقدرة.  (مِن زهر: من، حرف جرٍ تفيد التبعيض) – الضمير في (فيه) يعود على الزهر.

الجماليات: يستميل العين، جال الندى، مال أعناقا: استعارة مكنية
  نلهو- يستميل: فعلان مضارعان للتجديد والاستمرار.
البيت أسلوب خبري غرضه وصف جمال الطبيعة وذكريات الماضي.
البيت بأكمله "تشبيه ضمني" حيث شبه الأزهار وقد أثقلها الندى فمالت أغصانها، بحالة إنسان قد أثقله الحمل فمال عنقه.
نمرح ونلهو بالزهر الذي يجذب نظرنا بجماله وتحركت فيه قطرات الندى الرقراقة حتى تمايلت أعناقه من ثقل الندى المنثور عليه، يسحر عيوننا منها زهر يتردد الندى في صفحته فتميل به غصونه، ولكأنَّ قطرات الندى دموع تحدرت من عينيه.
6. كَـأَنَّ أَعيُنَـهُ إِذ عايَـنَـت أَرَقــي           بَكَت لِما بي فَجـالَ الدَمـعُ رَقراقـا
أعين: جمع قِلّة لـ عين. والهاء تعود على اليوم.   أرقي: عدم القدرة على النوم، سهري.
   عاينت: رأت وشاهدت.          أعين، عاينت: جناس ناقص.
 بكت: انهمر منها الماء فكأنه دمع يترقرق.  جـالَ: تحرك ودار.    رقراق: متلألئ، لامع.
البيت كله تشبيه تمثيلي، صورة تساقط الندى، بصورة إنسان انهمرت دموعه.
يقول الشاعر بأن الطبيعة تتفاعل معه في جميع أحواله، فبدت الأزهار والندى فوقها كأنها عيون بكت متأثرة بعدما رأت حالة الأرق التي يعيشها الشاعر بسبب فراقه لمحبوبته فترقرق الدمع في أعين الزهر وانهمر، ويقصد بالدمع هنا الندى.
7. وَردٌ تَأَلَّـقَ فـي ضاحـي  مَنابِـتِـهِ         فَازدادَ مِنهُ الضُحى في العَينِ إِشراقـا
 المفردات:
تألق: لمع وأشرق.  ضاحي منابته: ظاهر وبارز المنبت للشمس. الورد: كناية عن موصوف هي المحبوبة.
ضاحي، الضحى: جناس ناقص.
 يصف الشاعر جمال الورود وإشراقها، فظهرت لامعةً مشرقةً، في الوقت الذي كانت فيه الشمس مشرقةً في وقت الضحى فازداد الضحى منه إشراقًا (وكأن الضحى أخذ البهاء والإشراق منه)، وقد يكون الورد المعني هنا هو محبوبته وهي في قمة تألقها وجمالها في أوج الشباب (الضحى رمز للشباب).
8. سَـرى يُنافِحُـهُ نَيلـوفَـرٌ عَـبِـقٌ      وَسْنانُ نَبَّـهَ مِنـهُ الصُبـحُ أَحداقـا
 المفردات:
سرى: السير ليلًا.     ينافحه :يرسل نفحته العطرية  نيلوفر :نوع من النبات له زهر جميل ورائحة عطرة.
عَبِق: له رائحة منتشرة وذكي الرائحة.      وسنان: أخذ في النعاس. (وسن) أول النوم
 نبَّه: أيقظ.     أحداق: مفردها: حَدَقة، وهي سواد العين.
سرت رائحة الورود بعبقها فانتشرت وعمت المكان، وزاحمها عبقٌ جميل أرسله النيلوفر فبدت الورود وكأنها في تنافس مع النيلوفر أيهما عبقه أفضلُ، وكان النيلوفر ناعسًا إلى أن أقبل الصباح فأيقظ أعينه فتفتحت أزهاره.

الفكرة في الأبيات من (9- 12 ) ( مـعـانـاة الشـاعر النـفسية وأمـنـياته(
9. كُـلٌّ يَهِيـجُ لَنـا ذِكـرى تَشَوُّقِـنـا            إِلَيكِ، لَم يَعْدُ عَنها الصَـدرُ أَن ضاقـا
 المفردات:
يهيج: يثير ويحرك، ومضادها: يهدأ ويسكن. تشوّقنا :شدة الحنين والشوق
 لم يَعْدُ : لم يتجاوز.   ضاق (ض ي ق): انقبض من الألم، ومضادها: اتسع وانشرح
يذكر الشاعر بأن الطبيعة اهتاجت من حوله فبدت في أبهى حلة لها، وكان كل ما في الطبيعة من حوله يذكره بمحبوبته حيث كانا يلتقيان في الطبيعة الخلابة، وجاء هنا ليعلن بأن كل ما يراه من حوله من ورد وأزهار ومياه ورياض يهيج ذكرياته وأشواقه مما ولد في صدره الشعور بالضيق والألم نتيجة البعد والفراق.
10. لا سَكَّـنَ اللَـهُ قَلبـًا عَـقَّ ذِكرَكُـمُ         فَلَـم يَطِـرْ بِجَنـاحِ الشَـوقِ خَفّاقـا
 المفردات:
لا سكن الله: دعاء بعدم الهدوء والاطمئنان.        عَـقَّ ذِكرَكُـمُ (ع ق ق) أغفل وتجاهل ذكركم.
فلم يطر: (ط ي ر) لم يرتفع مسرعًا.       خَفّاق: مضطرب، متحرك (صيغة مبالغة، للدلالة على الكثرة)
لا سكَّن قلبًا: مجاز مرسل، علاقته الجزئية.               قلبًا عقّ، جناح الشوق: استعارة مكنية.
يدعو الشاعر على قلبه بعدم الراحة والسكينة إذا هو نسي وتغافل ذكرى حبيبته ولم يخفق ويطر شوقًا إليها، فقلبه لا يملك حين يذكر ولادة إلا أن يطير من الشوق، إن قلبًا لا يخفق لذكر ولادة ولا يخفق بحبها، لحري أن لا ينعمَ بالسكون والطمأنينة.
11. لَو شاءَ حَملي نَسيمُ الصُبحِ حينَ سَرى             وافاكُـمُ   بِفَتـىً   أَضنـاهُ    مـا لاقـى
 المفردات:
سرى: سار وذهب ليلا    وافاكُـمُ: وَصَلَكُمْ مخبرًا.      بفتى: يقصد الشاعر نفسه
 َأضنـاهُ: أضعفه وأمرضه وأتعبه.        مـا لاقـى: الذي عاناه من أثر الشوق
يستمر الشاعر في سرد معاناته وبيان آلام تباريح الهوى، فقلبه دائم الخفقان شوقًا وحبًّا لمحبوبته، وهو يتمنى لو استطاع نسيم الصباح حمله إلى محبوبته حينما يسري، لوجدت أمامها شخصًا أتعبه الشوق والحب فسترى ما صنعت به الأيام والذكريات نتيجة البعد.
12. لَو كانَ وَفّى المُنى في جَمعِنـا بِكُـمُ            لَكـانَ مِـن أَكـرَمِ الأَيّـامِ أَخلاقـا
 َوفّى: أنجز اكتمل وحقق الأماني
 المُنى: مفردها مُنْية أو أمْنية: وهو ما يتمناه من الوصال، والمنى كل ما يتمناه الإنسان.
 أكرم: أفعل تفضيل أكثر كرمًا    من: تفيد التبعيض.
يتمنى الشاعر لو كان يوم أن تذكرها يحقق الأمنيات فيجمعه بمن يحب فيكون من أكرم الأيام وأفضلها، إن يومه هذا بالزهراء يحكي موقعًا وجمالًا، سرقاه حينما نام الدهر عنهما (ابن زيدون وولادة) فليته يرد عليهما لذة المنى وسعادة الاجتماع لِيُعداه من أكرمِ الأيام وأصفاها.

الفكرة في الأبيات من (13- 15 ) ( تذكير ووعـد بـالـبقـاء عـلى الـعهد)
13.  يا عِلقِيَ الأَخطَرَ الأَسنى الحَبيبَ إِلى        نَفسي إِذا ما اِقتَنى الأَحبـابُ أَعلاقـا
 المفردات
العِلْق: الشيء النفيس.   الأَخطَرَ: الأعظم. الأَسنى: الأرفع مكانةً وقدرًا وقيمةً
 ِاقتَنى: امتلك.    يا علقى الأخطر: يا نفيستي العظيمة رفيعة القدر والغالية والتي أسعى لاحتوائها وحفظها.
ينادي الشاعر محبوبته التي ملكت عليه قلبه وعقله؛ لعظم شأنها ونفاسة قيمتها ورفعة وعلو منزلتها ومكانتها، مصورًا إياها بشيء نفيس غالٍ، قد اقتناه الشاعر، عندما يقتني الناس الأشياء المادية الثمينة.
14.  كانَ التَّجارِي بِمَحضِ الوُدِّ مُذ زَمَـنٍ         مَيـدانَ أُنـسٍ جَرَينـا فيـهِ أَطْلاقـا
 المفردات
 التَجارِي: التنافس.    بِمَحضِ الوُدِّ: الحب الخالص
   ميدان أنس: ساحة ألفة وسكينة ومحبة.    أَطْلاقـًا: سعداء بحريةٍ وبدون قيود
يعود الشاعر إلى ذكرياته الماضية وأمانيه مرة أخرى، حيث ذلك العهد الذي كانا يستبقان فيه الود والسرور، ويتنافسان في إظهار المحبة بِحريةٍ ودون قيود .
 15.    فَـالآنَ، أَحْمَـدُ مـا كُنّـا لِعَهـدِكُـمُ            سَلَوتُـمُ، وَبَقيـنـا نَـحـنُ عُشّـاقـا
 المفردات:
أَحمَـدُ: أثْني عليه.     مـا كُنّـا لِعَهـدِكُـمُ: ماضينا الذي أحببناكم فيه. الشكر والثناء للعهد السابق.
 سَلَوتُـمُ: (س ل و): نسيتم، وانشغلتم عنا. نسيتم عهد المودة والمحبة.
 وبقينا نحن عُشّـاقـا: ظللنا محبين لكم أشد الحب محافظين على عهدنا. نحن عشاقا: تدلُّ على التعظيم.
وفي النهاية يحمد الشاعر عهدًا مضى بينه وبين محبوبته ويُبدي على حاضره قلقًا وأسفًا أيَّ أسف؛ لأنه يشهد سُلُوَّها ونسيانها بينما هو باقٍ على حبه وعشقه لها.
الخصائص الفنية لأسلوب ابن زيدون :
صدق التجربة وقوة العاطفة، ترابط الأفكار، حسن انتقاء الألفاظ وترتيبها، تنسيق العبارات في إيقاع موسيقي جميل، يمتاز تعبيره بالرقة والعذوبة، ينوِّع في أسلوبه بين الخبر والإنشاء، يكثر من الالتفات من ضمير الجمع إلى المفرد ومن الخطاب إلى الغيبة للإثارة، ولفت الانتباه إلى مشاعره.

إرسال تعليق

0 تعليقات