خمسون نص في فهم المقروء - لطلاب الحلقة الأولى

 الفَرَاشَةُ

فَرَاشَةٌ مُلَوَّنَةٌ تَطِيْرُ في البُسْتَانِ، حُلْوَةٌ مُهَنْدَمَةٌ تُدْهِشُ الإِنْسَانَ، أَهْدَافُهَا مُحَدَّدَةٌ، حَرَكَاتُها مُرَتَّبَةٌ، تَحُوْمُ بِانْتِظَامٍ، تَحُطُّ فِي نُعُومَةٍ تَنْشُرُ السَّلاَمَ.

فَرَاشَةٌ مُلَوَّنَةٌ تَطِيرُ بِلا اُنْقِطَاعٍ، بِالنَّهارِ المُشْرِقِ تَمْلَأُ البِقَاعَ، تُحِبُّ الوَرْدَ المَزْرُوعَ، تَلْثُمُهُ فِي وَقْتِ الجُوعِ، تَمْتَصُّ رَحِيْقَ الأَزْهَارِ، تُحْيي جَنْيَ الأَشْجَارِ، مِنْ وَرْدَةٍ لِوَرْدَةٍ، تَطِيْرُ بِانْتِظَامٍ.


 

فَرَاشَةٌ مُلَوَّنَةٌ تُعْطِي بِلا انْتِفَاعٍ، هَمُّها ثِمَارٌ تُطْعِمُ الجِيَاعَ، تُحَاكي الجَمَالَ، تَرْسُمُ الإِبْدَاعَ.. تَعِيشُ في وِئَامٍ.

صَحِيْحٌ أَنَّها ضَعِيفَةٌ.. ضَعِيفَةٌ، لَيْسَ لَهَا مِنْ قُوَّة، وَلاَ لَهَا مِنْ حِيْلَة، فَسُبْحَانَ مَنْ أَعْطَاها أَلْوَانَها الفَرِيْدَةَ وَمَزَايَاهَا العَدِيْدَة، فَدَوْرُها كبيرٌ، بِحَجْمِها الصَّغِيْرِ، سُبْحَانَ مَنْ أَعْطَاهَا فَوَائِدَها العَظِيمَةَ، فَهَلاَّ تَعَلَّمْنَا خِصَالَها الحَمِيْدَةَ، وَكُنّا مِثْلَها نَعِيشُ فِي سَلامٍ.. وانْتِظامٍ... وَوِئَامٍ، حياتُنَا رغيدةٌ، خَيْرَاتُنَا أكيدَةٌ... وصَمْتُنَا نَمَاءٌ... وصَمْتُنَا عَطَاءٌ... وصَمْتُنَا كلاَمٌ.

 

 

السِّرُّ الجَمِيْلُ

فُلّةُ تَبْحَثُ عَنْ شَيْءٍ مَفْقُودٍ، سَأَلَتْ ماما، سَألت بابا.. وَسَأَلَتْ أَخَاهَا الحَبُّوبْ.

فُلَّةُ بَحَثَتْ فِي غُرْفَتِها، وفي كُلِّ أَنْحَاءِ مَنْزِلِها، ما سِرُّ بَحْثِها؟

تُرى ماذا ضَيَّعَتْ فُلَّة؟

صَاحَتْ بِكُلِّ قُوَّتِها: وَجَدْتُهُ، كِتابي... وَهُوَ هَدِيَّةُ جَدَّتي، فَأَنا لا أَتْرُكُ عَادَتي، قِرَاءةٌ في وَحْدَتي لِكَيْ أُحَقِّقَ غَايَتي، وهذا سِرُّ فَرْحَتي.

 

 

عزُّوزُ الفَنّانْ

صَدِيقي اسْمُه عزُّوزْ، يُحِبُّ الرَّسْمَ والأَلْوَانَ، دَوْماً يَشْدُو بِفَرَحٍ، وَيَمْسَحُ دَمْعَةَ الأَحْزَانِ.. لَمْ أَرَ فِي حَيَاتي مِثْلَهُ إِنْسَاناً يَرْسُمُ الأَحْلاَمَ.

في مَرَّةٍ كُنّا معاً، أَجْلُسُ فِي غُرْفَتِهِ وَكَانَ يَرْسُمُ لَوْحَةً حُلْوَةً، أَخْبَرَنِي عَنْ أَحْلاَمِهِ، وَأَراني رُسُومَاتِهِ، هذهِ رَسْمَةُ قَصْرٍ يُرِيدُ أَنْ يَبْنِيهِ، وتلكَ رسمةُ طَيْرٍ يُحِبُّ أن يُرَبِّيهِ.. وجَامِعَةٌ تُعَلِّمُهُ، وطَائِرَةٌ... ومَرْكَبٌ... وسَيَّارَةٌ... كُلُّها أَحْلاَمٌ تَحْيَا فِي قَلْبِهِ.

حَلِمْتُ مِثْلَهُ.. ما أَحْلَى الأَحْلاَمَ، لو كُنْتُ أَعْرِفُ الرَّسْمَ لَأَرَيْتُهُ أَحْلاَمي، فَهِيَ كَبِيرةٌ... كبيرةٌ... كَسَحَابَةٍ مَطِيْرَةٍ، أوْ كَبَحْرٍ عَميقٍ تَسْبَحُ الأَسْمَاكُ فِيْهِ.

 

 

الحِمَارُ المُفَكِّرُ وَالحِمَارُ الشَّاعِرُ

حِمَارُنا الصَّغِيرُ، يَظُنُّ نَفْسَهُ مُفَكِّرٌ كَبيرٌ، يَرْفَعُ رَأْسَهُ، يُحَرِّكُ أَنْفَهُ، يَمْشي كَأَنَّهُ؛ قَائِدٌ خَطِيرٌ.

حِمَارُنَا حَمّورْ.. يُحِبُّ أَنْ يَسيرَ فِي اليَوْمِ المَطِيرِ، فَتَغْسِلُ المِيَاهُ ثَوْبَهُ النَّضِيرُ.

حِمَارُنَا لَطِيفٌ.. يَبْدو دائماً في مَظْهَرٍ نَظيفٍ، شَكْلُهُ جَميلٌ، ذَيْلُهُ طَويلٌ، يُلاَمِسُ الأَرْضَ بِشَعْرِهِ الحَريرْ. حِمَارُنا وَدِيعٌ، يُحِبُّهُ الجَمِيعُ، يَعْمَلُ بِاهْتِمَامٍ، بِصَمْتٍ ونِظَامٍ... ولا يَنَامُ قبل إنْجَازِ العَمَلِ. حِمَارُنا نَشيطٌ.. يَقُومُ في الصَّبَاحِ.. يَغْدُوا مَعِ الفَلاَّحِ، ويعودُ في المَسَاءِ بِسِلالِ التُّفَاحِ.

حِمَارُنَا حَمُورْ.. كَتُومٌ وصَبُورْ.. يَصْعَدُ الجِبَالَ.. يَنْزِلُ الوِدْيَانَ.. في أَرْضِنَا يَدُورُ بِجَدٍّ وحبورٍ.. لا يَعْرِفُ السُّكونَ، لا يَعْرِفُ المَلَلَ، حَيَاتُهُ عَطَاءق.. صَمْتُهُ وَفاءٌ.. عُيُونُهُ أَملٌ.. فَهَلْ رأيتَ مِثْلَهُ في غابِرِ الزَّمَنِ؟

هَلْ رَأَيْتَ قَبْلاً حِمَاراً شَاعِرًا..

حِمَارُنا حَمُورْ.. مُرْهَفُ الشُّعُورْ.. يَسْمَعُ الطُّيْورَ في رَوْضَةِ الزُّهُورِ.. يَتَنَشقُ العبيرَ، يُمَيِّزُ بَيْنَها كأنَّهُ خبيرٌ بأنْوَاعِ العُطُورِ..

حِمَارُنا حَمُورْ.. يُحِبُّ السَّهَرَ تَحْتَ الشَجَرِ، في ظِلِّ القَمَرِ.. يُرَاقِبُ النُّجَومَ.. يُسَامِرُ الغُيومَ..

حِمَارُنا الصغيرُ، تراهُ في المساءِ.. يُلاعِبُ الهَواءَ.. يُنْصِتُ للرِّيحِ.. تُدَاعِبُ الأَغْصانَ.. تَحْمِلُ الرَّيْحَانَ.. تُغَنِّي لِلْقَمَر..

حِمَارُنا شَاعِرٌ.. كُلُّهُ مَشَاعِرُ.. لَوْ بَدا عُصْفورٌ يَئِنُّ في أَلَمٍ.. أصابَهُ فُتُورٌ وعاشَ في نَدَمِ..

يساعِدُ الجميعَ.. كبيراً أو صغيراً.. لو آذاهُ أَحَدٌ، تَسْقُطُ دَمْعَةٌ.. ويَدْعُو في سُكُونٍ أَنْ يَهْدِيَ اللَّهُ الظَّالِمَ الحَقُودَ.. ويَرْزُقَ اللَّهُ.. كُلَّ البَشَرِ..

 

 

 

                            الصَّيَّادُ الصَّغِيرُ

 

أبو نَبيلْ صَيَّادٌ فقيرٌ.. يَخْرُجُ كُلَّ صَبَاحٍ باكراً إلى الشاطِىء القريبِ لِيَصْطَادَ بِضْعَ سَمَكَاتٍ ثم يَبِيعُها بِثَمَنٍ قَلِيلٍ لِيَشْتَرِيَ بِذَلِكَ الثَمَنِ طَعَاماً أو حَاجَاتٍ بسيطةٍ لَهُ ولأُسْرَتِهِ.

وفي يومٍ عادَ أبو نبيلْ حَزِيناً لأَنَّهُ لَمْ يَتَمَكَّنَ مِنْ صيدِ حتى سَمَكَةٍ واحدةٍ. وعندما اسْتَيْقَظَ نبيلْ لاَحَظَ حُزْنَ أبِيهِ، فقرَّرَ مُسَاعَدَتَهُ ووعَدَهُ أَنْ يَصِيدَ سَمَكَةً كَبِيرةً لِيَبِيعها بعدَ ذلكَ بثمنٍ غالٍ.

خرج نبيلْ بكلِّ نشاطٍ إلى الشاطىءِ وقَضَى وقتاً طويلاً يواجِهُ البحرَ وينتظرُ بصبرٍ اصْطِيَادَ السَّمَكَةِ التي كانَ يَتَوقَّعها.. وفجَأةً اهتَزَّتْ شَبَكَتُهُ بِقُوّةٍ، وبعدَ أنْ سَحَبَهَا بِقُوّةٍ، ظَهَرَت لَهُ سَمَكَةٌ ضَخْمَةٌ، فَحَمَلَها بِسَعادَةٍ ورَكَضَ إلى أَبيهِ لِيُقَدِّمَها إليهِ، شَعَرَ أبو نبيلْ بِفَخْرٍ وفَرَحٍ لِمَا فَعَلَهُ ابْنُهُ نبيلْ، ثُمَّ ذَهَبا إلى السُّوقِ وبَاعَا السَّمَكَةَ بِثَمَنٍ مُرْتَفِعٍ وعادا إلى البيتِ سَعِيدَيْنِ مُحَمَّلاَنِ بِالطعامِ وحاجاتٍ مُخْتَلِفَةٍ..

 

قصص طويلة

 

دَلالُ لا تُحِبُّ المَدْرَسَةَ

 

«سَنواتٌ قَليلةٌ وأَدْخُلُ الجامِعَةَ، يا لها مِنْ رِحْلةٍ شاقَّةٍ طَويلَةٍ، ما أصعبَ أيامَ الدِّراسَةِ».

«اشْكُري رَبَّك يا دلال، ألوفُ الفتياتِ في سنِّكِ لا يَعْرِفْنَ القِرَاءَةَ وَالكِتَابَةَ».

«إِنِّني أَشْكُرُ رَبِّي دائماً، لكنني مُنْزعجةٌ.. أَلاَ يَحِقُّ لِيَ التعبيرُ عن ضِيقِ صَدْري؟!».

«أَلاَ تُلاحِظِينَ أَنَّكِ على الدّوَامِ مُتَضَايِقَةٌ.. تَبْحَثِينَ عَن أيِّ شيءٍ لِتَتَأَفَّفِي مِنْهُ، أَخْشَى غَداً أَنْ تَتَأَفَّفِي مِنْ نَفْسِكَ، إنْ لَمْ تَجِدي ما تَتَأَفَّفينَ مِنْهُ».

«أووفْ منكِ يا كريمة.. تَخْلُطِينَ الجِدّ بالهَزْلِ. هيّا.. هيّا.. اُدْخُلي الفَصْلَ قَبْلَ بَدْءِ الحِصّةِ الصَّبَاحِيّةِ».

قالَتِ المدرِّسةُ:

«صَبَاحُ الخَيْرِ يا بَنَاتْ.. كَيفَ أَصْبَحْتُنَّ الْيَوْمَ؟ أَرْجُو أَنَّكُنَّ أَخَذْتُنَّ قِسْطاً مِنَ الرَّاحَةِ في العُطْلَةِ الأُسْبُوعِيَّةِ، لِنَبْدَأَ أُسْبُوعاً جَديداً مَليئاً بِالنَّشَاطِ.. الإِمْتِحَانُ الشَّهْرِيُّ عَلَى الأَبْوَابِ؟».

الجميعُ بِصَوْتٍ واحدٍ: «نَعَمْ.. نَعَمْ.. كُلُّنَا على اسْتِعْدَاد».

قَالتْ دلالُ في سِرِّها: «يا لَكُنَّ من مَرَائِيّاتٍ.. أَعْلَمُ أَنَّكُنَّ تَكْرَهْنَ الإِمْتِحَانَاتِ.. وتُحَاوِلْنَ التَّوَدُّدَ للمُدَرِّسَةِ حتى تَرْضى عَنْكُنّ.. وأنا لا أُحِبُّ المُراءاتِ».

تَنْتَبِهُ المدرِّسةُ إلى شُرودِ دلالْ: «هِيْه يا دلال.. ما بِكِ.. أَراكِ تُفَكِّرينَ بشيءٍ ما؟».

«لا شَيءَ يا آنِسَة.. لا شَيءْ».

تَهْمِسُ كريمة في أُذُنِ دلال: «توقّفي يا عزيزتي عَنِ التفكيرِ.. الحِصَصُ الصَبَاحِيّة مُهِمّة.. انْتَبِهي إلى مَا تَقُولُهُ المُدَرِّسَة».

حَرَّكَتْ دلالُ كَتِفَيْهَا غيرَ مُبَاليةٍ.. وبَدَأَتْ المُدَرِّسة تَشْرَحُ دَرْسَ اليَوْمِ.

 

تَعُودُ دلالُ إلى بَيْتِها مُتْعَبَةٌ، تَتَنَاوَلُ غَدَاءَها.. تَرْتَاحُ قَليلاً ثُمّ تقولُ لأُمِّها:

«أمِّي.. لِمَاذا لا يُفَكِّرونَ بِطَرِيْقَةٍ جَدِيدةٍ لِلْتَّعْلِيْمِ غيرَ المدرِّسة؟!».

قَالتِ الأُمُّ بِاسْتِغْرَابٍ:

«طَرِيْقَةٌ جَديدةٌ للتعْليمْ؟! فِكْرَةٌ جَرِيْئَةٌ وَطيِّبَةٌ.. لَكِنْ ما هي عِلَّةُ الطَّرِيْقَةِ الحاليّةِ؟».

«المُدَرِّسَةُ تُشْعِرُني بالمَلَلِ، لَسْتُ أنا لِوَحْدِي فَقَطْ، بلْ كثيرٌ من صديقاتي.. اليومُ هو غيرُ الأَمْسِ.. العَالَمُ يتطوَّرُ».

«بالتأكيدْ.. اشْرَحي لي أَكْثَرْ سَبَب انْزِعَاجِكِ».

«نَجْلُسُ في مَقَاعِدِنا أكثرَ من نصفِ النَّهارِ، ثم نعودُ للمنزلِ فنقضي ما تبقّى مِنَ النَّهارِ وُجْزءًا مِنَ اللَّيْلِ بالدَّرْسِ والحِفْظِ وقَضَاءِ الواجباتِ.. ولا نَجِدُ وَقْتاً لأَنْفُسِنا..».

«نعمْ، هذا مَفْهومٌ يا دلال.. لكِّنَهُ شيءٌ طبيعيٌّ؟».

«هل يَجِبُ أنْ نَتَعذَّبَ.. نِصْفُ أَوْقَاتِ الدِّرَاسَةِ تَضيْعُ بِشُرودِ الذِّهْنِ.. نقضي أَجْمَلَ سَنَواتِ الطُّفولَةِ بالتَّعَبِ والإِرْهَاقِ.. ندرُسُ اليومَ من أَجْلِ الإِمْتِحَانِ.. وبَعْدَ الإِمْتِحَانِ نَنْسَى كُلُّ شَيء.. وتَمْضِي الأَيَّامُ حتى نَجِدَ طُفولَتَنا سُرِقَتْ منّا».

«أرى الأمرَ يُشَكِّلُ في نفسِكِ أَلَماً وحُزْناً وحِيْرَةً.. لكنْ ما هوَ الحلُّ يا ابْنَتِي؟!».

«لَسْتُ أَدْري.. لَسْتُ أَدْري.. لقد ضَاقَ صَدْرِي يا أُمِّي..».

«مَا رَأْيُكِ لَوْ أَطْرَحُ المَوْضُوعَ فِي اجْتِمَاعِ أَوْلِيَاءِ الأُمُوْرِ القَادِمِ فَهُوَ بَعْدَ أَيَّامٍ.. وسوفَ نبحثُ الأمرَ معْ إدارةِ المدرسةِ».

«لا يا أُمِّي.. لا.. أَخْشَى أَنْ تَظُنَّ مدرِّساتي أَنَّهُنَّ السببُ، فَيَغْضَبْنَ مِنِّي».

«ما رَأْيُكِ لو أُنَاقِشُ المَوْضُوْعَ مَعَ مُدِيْرَةِ المَدْرَسَةِ..؟».

«لا أَعْتَقِدُ أَنّها سَتُبَدِّلُ أُسْلُوبَ التَّعْلِيمِ مِنْ أَجْلِي..».

«إِذَنْ.. لِنُرْسِلَ رِسَالةً، إلى وَزِيرِ التَّرْبِيَةِ نَعْرِضُ عَلَيْهِ مُشْكِلَتَكِ؟».

«وهلْ الوزيرُ لَدَيْهِ وَقْتٌ لِيَقْرَأَ رِسَالتي أنا.. وحتى لَوْ قَرَأها.. هلْ سَيُغَيِّرُ نِظَامَ التَّعْلِيْمِ مِنْ أَجْلي؟؟».

«مَا هُوَ الحلُّ برأيكِ؟!».

«لا أَدْري يا أُمِّي.. لا أدري..».

«عندَ المَسَاءِ.. بعْدَما يأتي أبوكِ مِنْ عَمَلِهِ سَنَطْرَحُ عَلَيْهِ القَضِيّةَ لِنَرى وُجْهَةَ نَظَرِهِ بِشَأْنِها..».

قالتْ دلالُ كَأَنَّها مُسْتَسْلِمَةً للواقَعِ:

«لا بَأْسَ.. لابَأْسَ..».

 

إِنْصَرَفَتْ دلالُ إلى غُرْفَتِها.. بَدَأَتْ تُحَضِّرُ دُروسَ الغَدِ أَخْرَجَتْ كُتُبَها وكُرّاسَاتها.. أعمالٌ رياضيّةٌ.. مُلاحَظَاتٌ عِلْمِيّةٌ، نُصوصٌ عَرَبِيّةٌ وإنْكِليزيّةٌ.. واجِبَاتٌ كثيرةٌ لا تَنْتَهي..

حَفَظَتْ نَشِيْدَةً مَطْلُوبَةً مِنْها.. سُوْرَةَ القارِعَة.. لَخَّصَتْ دَرْسَ الجُغْرَافيا كما طَلَبَتِ المدرِّسة.. كَتَبَتِ القواعِدَ العِلْمِيّة في كُرّاسةِ العلومِ..

ظَلَّتْ دلالُ في غُرْفَتِها حتى جَاءَ المَسَاءُ..

 

اجْتَمَعَتِ العَائِلَةُ في غُرْفَةِ الجُلُوسِ كَعَادَتِها مِثْلَ كُلِّ يومٍ؛ الأَبُ يُمْسِكُ بِيَدِهِ كِتَاباً.. الأُمُّ تُهَيِّىءُ لابْنَتِها كريمة ثِيَابَ الغَدِ، لكنّ كريمةَ لَمْ تَكُنْ تُقَلِّبُ محطّاتِ التلفزيونِ كعادَتِها.. كانتْ تَجْلِسُ بِسُكونٍ.. تنظرُ إلى أمِّها.. تَتَرَقَّبُ بَدْءَ الحَدِيْثِ بِشَغَفٍ.

«أبو دلال..».

نَادَتْ الأُمُّ زَوْجَها تبدَّدَ الصَّمْتَ.

ظلَّ الأَبُ مُرَكِّزاً عَيْنَيْهِ في الكِتَابِ، وردَّ بصوتٍ هادىءٍ:

«نَعَمْ يا زَوْجَتي العَزيزة».

كرَّرتِ الأُمُّ: «أبو دلال».

قالَتْها بِنَبْرَةٍ مُخْتَلِفَةٍ كأنّها تُنَبِّهُ زَوْجَها إلى أَهَمِّيةِ الأَمْرِ.

رَفَعَ الزَّوْجُ عَيْنَيْهِ.. خَلَعَ نَظّارَتَهُ.. قَلّبَ الكِتَابَ مَفْتُوحاً ووضَعَهُ على الطَّاوِلَةِ الصَّغِيْرَةِ أَمَامَهُ: «عَفْوًا يا حَبِيْبَتي.. هل هُنَالِكَ سُوْءٌ ما؟».

«نَعَمْ.. لَدَيْنَا مُشْكِلَةٌ ونُرِيْدُ أَنْ تُسَاعِدَنا في حلِّها..».

«مُشْكِلَةٌ.. يا رَبّ.. إسْتُرْ يا رَبّ.. ماذا لَدَيْكُما.. إِبْدَآ.. كلِّي آذَانٌ صَاغِيَةٌ».

«ابْنَتُنَا يا زَوْجِيَ الغالي تُواجِهُ مُشْكِلَةً تَعتقدُ أنَّها كبيرةٌ.. تشعرُ أنَّ المدرِّسة عِبءٌ عَلَيْهَا.. يَضِيْقُ صَدْرُها مِنَ الدِّرَاسَةِ، ومِنَ البَقَاءِ فَتْرَةً طَوِيْلَةً تجلسُ في فصولها..».

يُلاَحِظُ الزُّوْجُ أنّ زَوْجَتَهُ تَتحدَّثُ بِجِدِّية وأَنّ ابنَتَهُ تُحَدِّقُ إلَيْهِ كَمَنْ يَنْتَظِرُ حُكْماً في مَحْكَمةِ..

«وماذا تُريدان مِنِّي؟».

«نُريدُ مِنْكَ حَلاًّ..».

لا يَسْتَطِيْعُ الأَبُ أَنْ يَكْتُمَ ضِحْكَةً عاليةً..: «ها.. ها.. ها.. لا أُصَدِّقُ ما تَقُولانِ.. تُريدانِ حلاًّ.. وهل أنا وزيرٌ للتربيةِ.. أعْتَقِدُ أنّ هذهِ المشكلةُ حلُّها الوحيدُ؛ إِقْفالٌ المَدَارِسِ فَيَرْتَاحُ الصِّغَارُ مِنْهَا...».

«هَذا هُوَ الجَوَابُ الَّذِي لَدَيْكَ.. ما الَّذِي تَقُوْلُهُ يا أبو دلال، أَرَاكَ تَسْخَرُ مما نَقُولُ!».

«لا.. لا.. كَلاَمُكِ فَاجَأَني.. أَنَسِيتِ مَشَاعِرَكِ تِجَاهَ الْمَدْرَسَةِ وأنْتِ طِفْلَةٌ.. أَلَسْنَا وَنَحْنُ صِغَاراً كُنّا نَشْعُرُ بِالمَشَاعِرِ ذَاتِها؟».

أَعْتَقِدُ أنَّ الأَطْفَالَ حَوْلَ العَالَمِ سَيَظَلُّونَ، مِثْلَنا، يَشْعُرونَ بِالمَشَاعِرِ هَذِهِ، مَهْمَا تَطَوَّرَ أُسْلُوبُ التَّعْلِيْمِ ومَهْمَا ارْتَقُوا بِهِ، فَالْمَدْرَسَةُ سَتَظَلُّ مَدْرَسَةً وَلَوْ تَغَيَّرَ شَكْلُها، والتِّلْمِيْذُ سَيَظَلُّ تِلْمِيذاً وَلَو تَطَوّرَتْ طَرِيْقَةُ تَعْلِيمِهِ..».

«لَقَدْ ضَخَّمْتَ الْمُشْكلِةَ وَلَمْ تَجِدْ لها حَلاًّ».

يَتَأَمَّلُ الأَبُ وَجْهَ ابْنَتِهِ: «يا لِطِفْلَتِي الحُلْوَة.. تَعَالي يا صَغِيْرَتي.. تَعَالي لأُقَبِّلَكِ قُبْلَةً كَبِيرَةً». يَحْضُنُ الأَبُ ابْنَتَهُ بِحَرَارةٍ.. يَشْعرُ أَنَّهُ اسْتَهَانَ بأحاسِيْسِ ابْنَتِهِ:

«يَا لَكِ مِنْ طِفْلَةٍ.. لَقَدْ كَبِرْتِ وَبَدَأْتِ تَكْرَهِينَ القُيْودَ.. يَا لَيْتَنِي أَملُكُ حَلاًّ.. مَدْرَسَتُكِ مِنْ أَفْضَلِ المَدَارِسِ.. مُدرِّسَاتُكِ مِنْ أَفْضَلِ المُدرِّسَاتِ.. المُشْكِلَةُ لَيْسَتْ فِي الْمَدْرَسَةِ، فَالإِنْسَانُ يُحِبُّ الحُرِّيَّةَ.. والسَّجْنُ لَيْسَ مِنْ طَبِيْعَتِهِ. فَأَصْلُ الإِنْسَانِ الإِنْطِلاَقَ وَالحَرَكَةَ.. وأيُّ شَيءٍ يُقَيِّدُهُ ويَمْنَعُهُ مِنْ مُمَارَسَةِ حُرِّيَتِهِ بِشَكْلٍ كَامِلٍ: أمرٌ مناقضٌ لِطَبِيعَتِهِ.. وَلِهَذا السَّبَبُ أَنْتِ تَشْعُرِيْنَ بِالْضِّيْقِ والإِنْزِعَاجِ.. فَأَنْتِ إِنْسَانٌ طَبِيْعيٌّ يُحِبُّ الحُرِّيَّةَ...».

«نَعَمْ يا أبي.. مَسَاحَةُ الحَرَكَةِ مَحْدُودَةٌ.. واجِبَاتٌ كثيرةٌ.. دُرُوسٌ مُتَتَالِيَةٌ.. حِصَصٌ متواليةٌ..».

الأبُ مُقَاطِعًا: «اسْمَعيني يا ابْنَتِي.. أَتَّفِقُ مَعَكِ في إِحْسَاسِكِ.. لَكِنَّ الْمَدْرَسَةَ مِثْلَ جَمِيْعِ الأَشْيَاءِ في الوُجُودِ تَحْتَاجُ إلى صَبْرٍ ومُثَابَرَةٍ لِتَحْقِيْقِ الهَدَفِ».

الأُمُّ: «وكُلُّ عَمَلٍ لا بدّ لَهُ مِنْ جُهْدٍ وتَعَبٍ.. وإلاّ لَنْ يَتَحَقَّقَ الهَدُفُ».

الأَبُ: «أَنْتِ يا دلال ألاَ تُريدينَ أَنْ تُحَقِّقي شَيْئاً في حَيَاتِكِ؟! أَلاَ تَتَمَنِّيْنَ أَنْ تَفْعَلِي أَمْرًا مُفِيْداً لِلْنَّاسِ».

الأُمُّ: «بِالْتأْكِيْدِ.. هي تَتَمَنَّى أَنْ تُصْبِحَ طَبِيْبَةُ أَطْفَالٍ.. وهي دَائماً تُرَدِّدُ ذَلِكَ أمَامي».

الأَبُ: «ألاَ يَسْتَحِقُّ هَذَا الهَدَفُ أَنْ تَتْعَبِي مِنْ أَجْلِهِ يا ابنتي؟».

دلال: «نَعَمْ يا أبي.. لكنَّني أَشْعُرُ بِالْسَّجْنِ..».

الأُمُّ: «لا تُقْنِعي نَفْسَكِ بِهَذا الأَمْرِ.. أُنْظُرِي إلى الدَّجَاجَةِ، تَجْلِسُ فَوْقَ بَيْضِها واحدٌ وعُشْرُونَ يَوْماً لِيَفْقُصَ البيضُ وتَخْرُجَ الكَتَاكِيْتُ لِلْحيَاةِ.. هلْ هذا سَجْنٌ.. هذا إصْرَارٌ لِتَحْقِيْقِ هَدَفٍ.. أُنْظُري إِلَيْنَا يا حبيبتي.. لوْلاَ اجْتِهَادُنا ودَرْسُنا لما وَصَلْنَا إلى ما نَحْنُ فِيْهِ، فَاللَّهُ تعالى يأمُرُنا بالعِلْمِ والعَمَلِ.. والعِلْمُ لَيْسَ سِجْناً بَلْ هُوَ الحُرِّيَّةُ نَفْسُها.. فَمِنْهُ تَخْرُجِيْنَ مِنْ عَالَمٍ صَغِيْرٍ مُحَدُودٍ إلى عَالَمٍ كَبِيْرٍ لا يَتَوَقَّفُ عن الإِبْدَاعِ والإِبْتِكَارِ..».

يقولُ الأبُ مُبْتَسِماً:

«يَا سَلاَمْ.. ما هَذا التَّغْييْرُ الجَمِيْلُ يا زوجتي.. لَيْتَنِي سَمِعْتُ هَذَا الكَلاَمُ عِنْدَما كُنْتُ طِفْلاً فِي المَدْرَسَةِ..».

دلال: «لَكِنّ الْمُشْكِلَةَ مَا زالتْ قَائِمَةً.. وَلَمْ تَجِدا لي حلاًّ».

الأُمُّ: هُنَالِكَ يا ابْنَتِي أَشْيَاءٌ كَثِيرَةٌ في الحَيَاةِ نَقُومُ بها مُرْغَمِيْنَ لكِنَّها في النِّهَايَةِ تَكُوْنُ لِفَائِدَتِنَا..».

الأَبُ: «عِندَما نَمْرَضُ نَأْخُذُ أَدْوِيَةً طَعْمُهَا مُرٌّ وفَظِيْعٌ، نَأْخُذُها غَصْبًا عَنّا.. حتّى يَأْذَنَ اللَّهُ لَنَا بِالشِّفَاءِ..».

الأُمُّ: «والعِلْمُ لاَ يَكُونُ بِغَيْرِ جَدٍّ وتَعَبٍ.. يُروى أنَّ العُلماءَ العَرَبَ القُدَمَاءَ كانوا يَنْتَقِلُونَ سَيْرًا عَلَى الأَقْدَامِ أو على الدَّوَابِّ، وفي الصَّحْرَاءِ يُمْضُونَ أَيَّاماً طَوِيْلَةً، لا يَعْبَأونَ بِحَرِّ النَّهارِ ولا بِبُرُودَةِ اللَّيْلِ مِنْ أَجْلِ أَخْذِ فَائِدَةٍ مِنْ هُنَا أَوْ هُنَاكْ، وهنالكَ مَنْ طَافَ بلادَ العَرَبِ والعَجَمِ في سَنَواتٍ.. ولأَنَّهُمْ تَعِبُوا وبَذَلُوا، لا تزالُ أعمالُهمْ وآثارُهُم خَالِدَةً حتى يَوْمِنَا هذا..».

الأَبُ: «العِلْمُ يا حبيبتي مُفْتَاحُ الحَيَاةْ».

دلال: «ما قُلْتُ إنَّني أَكْرَهُ العِلْمَ ولَكِنَّنِي أَكْرَهُ الْمَدْرَسَةَ».

الأَبُ: وما اتّهَمْتُكِ أَنَا بِذَلِكَ.. لَكِنْ لا بُدّ مِنْ احْتِمَالِ شَيءٍ مِنْ أَجْلِ شَيءٍ آخَرَ أَفْضَلَ مِنْهُ».

دلال: «سوف أحاولُ.. فأنا أريدُ أنْ أتعلَّمَ.. لا أريدُ أَنْ أكونَ جاهلةً».

الأُمُّ: «هذا هدفٌ عظيمٌ، وحتى يتحقَّقَ يحتاجُ إلى تضحِيَةٍ».

دلال: «نعمْ.. سأَصْبُرُ على سِجْني حتى أَتَخَرَّجَ..».

ضَحِكَتِ الأمُّ..

ضَحِكَ الأَبُ..

لَكِنَّ دلالْ كانَتْ تُفَكِّرُ بِالمَدْرَسَةِ والدِّرَاسَةِ.. وما زالتْ تَشْعُرُ بالحِيْرَةِ.

 

فِي اليَوْمِ التَّالي كَتَبَتْ دلالُ وَرَقَةً صَغِيْرَةً وَضَعَتْها أَمَامَها على الطَّاوِلَةِ صَارَتْ تَنْظُرُ إليها مِنْ حِيْنٍ إلى آخَرَ..

لاَحَظَتْ المُدَرِّسَةُ أنَّ دلال أَكْثَرَ اسْتِجَابَةً وتَفَاعُلاً مِنْ أَيِّ يَوْمٍ سَابقٍ؛ تُشَارِكُ فِي طَرْحِ الأَسْئِلَةِ والإِجَابَةِ عَنْها، عَيْنَا دلال تَبْرُقَانِ على غَيْرِ عَادَةٍ..

اقْتَرَبَتْ المُدَرِّسَة نَحْوَ طَاوِلَةِ دلال..

لاَحَظَتْ وُجُودَ وَرَقَةٍ مَكْتُوبٌ عَلَيها بِخَطٍّ كَبِيْرٍ وَجَمِيْلٍ:

«أنا أُحِبُّ المَدْرَسَةَ».

 

مَرَّتْ أَيَّامُ الدِّرَاسَةِ سَرِيْعًا.. كَانَتْ دلالُ تَنْتَقِلُ مِنْ اخْتِبَارٍ إلى آخرَ بِجَدٍّ واجْتِهَادٍ..

ارْتَفَعَتْ عَلاَمَاتُها بِشَكْلٍ مُلْفِتٍ.. صَارَتْ تَقْضي في مَكْتَبَةِ المَدْرَسَةِ وَقَتاً أَطْوَلَ..

لَمْ تَعُدْ تَظْهَرُ كَثِيْرًا فِي سَاحَاتِ الْمَدْرَسَةِ ورُدُهَاتِها..

تَظَلُّ دَلالُ مَشْغُولَةً..

المدرِّسَاتُ تَعَجَّبْنَ مِنْ هَذا التَّغْيِيْرِ..

تَفَوّقَتْ دلالُ..

نَالَتْ شَهَادَاتِ التَّقْدِيْرِ وعِبَاراتِ الثَّنَاءِ.. فَخُرَ بها أَبوها.. فَخُرَتْ بِهَا أُمّها.. فَخُرَتْ بِهَا مدرِّسَاتُها.. لَمْ تَعُدْ الْمَدْرَسَةُ سِجْناً.. ولا الدَّرْسُ عِقَاباً..

صَارَتْ دلالُ حرَّةً أَكْثَرَ.. مُنْطَلِقَةً أَكْثَرَ..

كَبُرَتْ دلال.. دَخَلَتِ الجامعةَ.. تَخَرَّجَتْ.. تَزَوَّجَتْ.. أَنْجَبَتْ..

وَهَا هِيَ دلالُ اليومَ سَجِيْنَةً في أَكْبَرِ مُسْتَشْفَى.. سَجِيْنَةَ عيادَتِها.. سَجِيْنَةَ مَرْضَاها..

مَرَّةً قالَتْ لها ابْنَتُها إِسْرَاءُ: «الْمَدْرَسَةُ تُشْعِرُني بِالْمَلَلِ.. كَأَنَّها سِجْنٌ».

ضَحِكَتْ الدُّكْتُورَة دلال وقالَتْ:

«مَا أَجْمَلَ هَذَا السِّجْنُ.. اذْهَبِي إلى جَدِّكِ وجَدَّتِكِ.. ففي أَيْدِيْهِما مُفْتَاحُ هذا السِّجْنِ..».

انْتَقَلَتْ الدُّكْتُورَة دلالُ مِن سِجْنِ الْمَدْرَسَةِ إلى سِجْنِ الحياةِ لأنها تُرِيْدُ تَحْقِيْقَ الهَدَفِ..

 

الحُصَانُ اللَّطِيْفُ الْمُتَمَرِّدُ

 

«هَلْ أَسْتَطِيْعُ قِيَادَةَ هَذَا الحُصَانِ البُنِّي؟!.. يَبْدُو صَعْبَ الْمَرَاسِ.. حَتَّى الرَّجُلَ القَوِيَّ الوَاقِفَ دَاخِلَ مَيْدَانِ السِّيْركْ لَمْ يُسَيْطِرَ عَلَيْهِ!!».

«جَمِيْلٌ.. جَمِيْلٌ هَذَا الحُصَانُ، نَظَرَ إِليَّ كَأَنَّه يَعْرِفُنِي.. يُرِيْدُ مُحَادَثَتِي.. إِخْبَارِي بِأَمْرٍ ما!!».

«أُحِبُّ هَذَا الحُصَانَ البُنِّي.. آهٍ لَوْ أَتَمَكَّنُ مِنْ لَمْسِهِ، مِنَ الرُّكُوبِ عَلَيْهِ، تَبْدُو قِيَادَتُهُ مُمْتِعَةٌ رَغْمَ شَرَاسَتِهِ الظَّاهِرَةِ..».

الأَطْفَالُ يَخْرُجُوْنَ مِنَ السِّيْرك والسَّعَادَةُ عَلَى وُجُوْهِهِمْ..

سَعْد فِكْرُهُ مَشْغُوْلٌ.. يُفَكِّرُ بِالْحُصَانِ البُنِّي..

«الْمُدَرِّبُ ضَرَبَهُ بِعُنْفٍ.. لَكِنَّهُ رَفَضَ الخُضُوْعَ..».

«مَا أَجْمَلَ هَذَا الحصانُ.. عِزُّةُ نَفْسِهِ مَنَعَتْهُ الإِنْصِيَاعَ لِأَوَامِرِ المُدَرِّبِ الَّذِي تَعَامَلَ مَعَهُ بِقَسْوةٍ مُبَالَغٌ بِهَا..».

الأَبُ: «مَا تَقُوْلُ يا سعد.. هل تَتَكَلَّمُ مَعِي أَمْ مَعَ نَفْسِكَ؟!».

سعد: «أبي.. أَرَأَيْتَ كَيْفَ تَعَامَلَ مُدَرِّبُ الأَحْصِنَةِ مَعَ الحُصَانِ البُنِّي؟! ضَرَبَهُ بِشَدَّةٍ، الْحُصَانُ البُنِّيُّ تَمَرَّدَ رَغْمَ الضَّرَبَاتِ الَّتِي كَانَتْ تَتَوالى عَلَيْهِ.. تَمَرَّدَ.. لَمْ يُنَفِّذِ الأَوَامِرَ كَسَائِرِ الأَحْصِنَةِ؟».

الأَبُ: «أَعْتَقِدُ أَنَّ هَذَا المَشْهَدَ مِنْ سِيَاقِ العَرْضِ لِيَلْفُتَ اهْتِمَامَ الجُمْهُورِ».

«لا يا أبي.. أنا مُتَأَكِّدٌ مِنْ ذَلِكْ.. أَحْسَسْتُ بآلامِ الحُصَانِ.. كانَ يُرِيْدُ الصُّرَاخَ.. الاعْتِرَاضَ.. رَأَيتُهُ يَنْظُرُ إليَّ كَأَنَّهُ يَسْتَنْجِدُ بي..».

«هذا هُوَ الهدفُ.. أنْ يُثِيْرُوا اهْتِمَامَكَ.. نَجَحُوا بِالْفِعْلِ..».

«أنا مُتَأَكِّدٌ ممَّا أَقُول..».

«رُبَّما.. لَكِنْ لا تَنْكُرُ أَنَّ السِّيركَ كانَ مُمْتِعًا..».

«رُبَّما.. لَكِنِّي كُنْتُ مَشْغُولاً بِالْحُصَانِ..».

«ما لنا ولَهُ الآن.. لِنَذْهَبَ إلى البَيْتِ.. أمُّكَ الآنَ بانْتِظَارِنَا.. لَيْتَها حَضَرَتْ مَعَنا.. لا تُحِبُّ مُشَاهَدَةَ السِّيركِ..».

في البَيْتِ:

«أهلاً أبا سعد.. هَلْ فَرِحَ ابنُكَ بعُروضِ السِّيركْ؟».

سعد: «نَعَمْ يا أمي.. كانَ رائِعاً.. لَكِنْ.. لَوْلاَ شَيءٌ واحِدٌ..».

«ما هو؟».

«أَثْنَاءَ عَرْضِ الأَحْصِنَةِ تَمَرَّدَ حُصَانٌ على اُلْمُدَرِّبِ، لَمْ يَقْبَلْ تَنْفِيْذَ الأَوَامِرِ.. ضَرَبَهُ الْمُدَرِّبُ بِعُنْفٍ.. الحُصَانُ عَنِيْدٌ عَنِيْدٌ، لَمْ يُتَابِعِ العَرْضَ..».

الأُمُّ: «عَجِيبٌ! لِمَ يا ترى؟».

سعد: «أَظُنُّهُ يُعبِّرُ عَنْ سَخَطِهِ مِنَ الضَّرْبِ الَّذِي تَعرَّضَ لهُ مِنَ المدرِّبِ».

الأُمُّ: «لَكِنَّهُ أمرٌ معتادٌ...».

سعد: «إنَّهُ لَيْسَ كَغَيْرِهِ مِنَ الأَحْصِنَةِ.. رَأَيْتُ ذَلِكَ في عَيْنَيْهِ.. نَظَرَ إلَيَّ نَظْرَةً باكِيَةً.. يُريدُ إخْبَاري بما يَتَعَرَّضُ لَهُ مِنْ أَذَى..».

اسْتَعْطَفَ سَعْدُ أباهُ:

«أَرْجُوكَ يا أبي.. اشْتَرِ لي هذا الحُصَان.. نَضَعُهُ في حَدِيْقَةِ مَنْزِلِنا.. نَبْنِي لهُ بَيْتاً صَغيراً.. إنهُ حُصَانٌ لَطِيْفٌ وهَادِىءٌ».

الأَبُ: «أَلَمْ تَقُلْ إنَّه حصانٌ متمرِّدٌ عنيدٌ.. كيف نحتفظُ به؟! إنَّه خطرٌ علينا..».

سعد: «أنا مُتَأكِّدٌ أنَّهُ لَطِيْفٌ..».

الأَبُ: «دَعْنِي أُفَكِّرْ.. غَداً نُنَاقِشُ الْمَوْضُوعَ».

في الصَّبَاحِ التَّالي خَرَجَ سَعْدُ مُبْكِراً إلى حَدِيْقَةِ المَنْزِلِ يَبْحَثُ عَنْ مَكَانٍ مُنَاسِبٍ لِبِنَاءِ بَيْتٍ لِلْحُصَانِ..

عَادَ سَعْدُ إِلَى اُلمَنْزِلِ.. الْتَقَى أَبَاهُ وأُمَّهُ على مَائِدَةِ الإِفْطَارِ..

أوَّلُ كَلِمَةٍ قَالَها:

«مَتَى سَنَذْهَبُ لِرُؤْيَةِ الحُصَانِ؟».

الأَبُ: «عُدْنَا إلى الْمَوْضُوعِ نَفْسِهِ.. أَلاَ تَنْسَى..».

سعد: «أَرْجُوكَ يا أبي.. في الحَدِيْقَةِ مُتَّسَعٌ لَهُ..».

الأَبُ: «سَيُخَرِّبُ الحَدِيْقَةَ..».

سعد: «لا تَأْخُذْ قَراراً مُسْتَعْجِلاً.. أَلَمْ تُعَلِّمَنِي ذَلِكْ؟! لِنَذْهَبَ أَوَّلاً إلى مَوْقِعِ السِيْركْ.. نَتَكَلَّمُ إلى مُدَرِّبِ الأَحْصِنَةِ.. نُشَاهِدُ الحُصَانَ عَنْ قُرْبٍ.. رُبَّمَا شَعَرْتَ بِمَا شَعَرْتُ بِهِ».

الأَبُ: «لَكِنْ.. لَكِنْ..».

«حَاوِلْ يا أبي.. مِنْ أَجْلِي أنا.. أَرْجُوكْ..».

«همم.. حَاضِرْ.. حَاضِرْ.. عِنْدَمَا أَعُوْدُ مِنَ العَمَلِ نَذْهَبُ مَعاً لِنَرَى هَذا الحُصَانُ الَّذِي أَوْجَعَ لِي رَأْسِي».

صَاحَ سَعْدٌ فَرَحاً: «هيه.. هيه.. يا أَعْظَمَ أَبٍ في الكَوْنِ..».

بَعْدَ الظُّهْرِ.. يُرَافِقُ سَعْدٌ أَبَاهُ إلى السِّيْركِ قبلَ بَدْءِ العَرْضِ، يَبْحَثَانِ عَنْ مُدَرِّبِ الأَحْصِنَةِ.. يَسْأَلاَنِهِ عَنِ الحُصَانِ البُنِّي فَيَقُولْ:

«هذا حُصَانٌ غَرِيْبٌ حَقًّا.. لا يُعْجِبُهُ أَمْرٌ.. يَظَلُّ في حَالَةِ غَضَبٍ مُتَوَاصِلٍ، يُزْعِجُ باقِي الأَحْصِنَةَ بِمَزَاجِهِ الْمُتَعَكِّرِ.. لَكَمْ وَدَدْتُ التَّخَلُّصَ مِنْهُ».

يَفْرَحُ سَعْدُ بِذَلِكْ..

يَقُولُ أبوهُ: «إِنَّهُ حُصَانٌ مُشَاغِبٌ إذاً.. لماذا لا تُبَدِّلُهُ؟».

يُجِيْبُ المُدرِّبُ: «إِنَّهُ مَعْرُوْضٌ لِلْبَيْعِ.. لَكِنَّ أَحَداً لا يُرِيْدُ شِرَاءَهُ..».

لَمَعَتْ عَيْنَا سَعْدٍ مِنَ الفَرَحِ..

قالَ الأَبُ: «ألاَ يُشَكِّلُ خَطَراً على الجُمْهُورِ؟..».

«لا أَعْتَقِدْ.. لَيْسَ شَرِسًا إلى هَذَا الحَدِّ..».

سعد: «أبي.. لِنَذْهَبَ ونَرَاهُ عَنْ قُرْبٍ.. هَلْ تَسْمَحْ لنا يا سيدي؟».

الْمُدَرِّبِ: «لا بأسْ.. لا بأسْ..».

الحُصَانُ البُنِّيُّ في غُرْفَةٍ مُنْفَرِدًا عَنْ بَاقِي الأَحْصِنَةِ..

بَدَا هَادِئًا يَتَنَقَّلُ بِرَشَاقَةٍ في مَسَاحةٍ ضَيِّقَةٍ..

سعد: «انْظُرْ يا أبي ما أَلْطَفَ هَذا الحُصَانُ!.».

هَزَّ الحُصَانُ رَأْسَهُ مُرَحِّباً..

ابْتَسَمَ سَعْدُ.. لوَّحَ بِيَدِهِ..

هَزَّ الحُصَانُ ذَنَبَهُ... اقْتَرَبَ مِنْ سَعْدٍ بِهُدُوءْ..

اسْتَغْرَبَ اُلْمُدَرِّبُ.. تفاجَأَ أبو سَعدْ..

أَشَارَ سَعْدٌ بِيَدِهِ إِلى الحُصَانِ أَنْ تَعَالَ.. جَاءَ الحُصَانُ عَلَى الفَوْرِ..

«هَلْ تَسْمَحُ لِي بِالرُّكُوْبِ عليهِ يا سَيِّدِي؟..».

«أَخْشَى أَنْ يُؤْذِيكَ».

«يَبْدُو لَطِيْفاً مَعِي..».

«نَعَمْ.. يَبْدُو لَطِيْفاً.. عَلَى غَيْرِ عَادَتِهِ..».

«أبي.. هَلْ تَسْمَحُ لي..».

الأب: «لَكِنْ بِحَذَرٍ»..

المدرِّب: «سَأَرْفَعُكَ إليهِ.. وأَبْقَى بِجَانِبِكَ تَحَسُّباً لِأَيِّ خَطَرٍ..».

الحُصَانُ كَانَ هَادِئاً لِلْغَايَةِ.. تَنَقَّلَ بِسَعْدٍ وكَأَنَّهُ يُلاَعِبُهُ..

دَارَ بِهِ.. تَحَرَّكَ بِجِسْمِهِ وَأَقْدَامِهِ وأدَّى رَقْصَةً رَائِعَةً..

أُصِيْبَ الأَبُ والمُدَرِّبُ بالدَّهْشَةِ..

لَمْ يرَ المدرِّبُ عَرْضًا مِثْلَ هذا مِنْ قَبْل..

طَلَبَ مِنْ سَعْدٍ مُشَارَكَتَهُ السِّيْركْ في عَرْضِ اللَّيْلَةِ.. يُقَدِّمُ عَرْضًا عَلَى الحُصَانِ البنِّيّ..

قالَ الأَبُ: «لَكِنَّهُ قَدْ يُؤْذِي ابْنِي!!».

المُدَرِّب: «أَلَمْ تَرَ كَيْفَ تَصَرَّفَ بِلُطْفٍ وَوَدَاعَةٍ؟! لا تَقْلَقْ..».

في السِّيركْ صَفَّقَ الجُمْهُورُ مُدَّةً طَوِيْلَةً... طَوِيْلةً، وَهُمْ يُشَاهِدُونَ سَعْداً مُسْتَمْتِعًا بِرَقْصَةِ الحُصَانِ البُنِّي..

سَعْدُ أَظْهَرَ بَرَاعَةً فَائِقَةً..

ازْدَادَ حَمَاسَةً بَعْدَمَا شَعَرَ بِتَشْجِيْعِ الجُمْهُورِ لَهُ...

أَثْبَتَ سَعْدُ أَنَّ الحُصَانَ لطيفٌ.. لطيفٌ.. عَزِيْزُ النَّفْسِ.. يَرْفُضُ أَنْ يَضْرِبَهُ الْمُدَرِّبُ.. يُقَدِّمُ أَفْضَلَ العَرُوضِ دُوْنَ عُنْفٍ..

بَعْدَ العَرْضِ..

اتَّفَقَ مُدِيْرُ السِّيركْ مَعَ سَعْد أَنْ يُشَارِكَ فِي بَاقِي العُرُوْضِ الَّتِي يُقَدِّمُها في مَدِيْنَتِهِ خِلاَلَ أُسْبُوعٍ كَامِلٍ.. يَحْصَلُ فِي النِّهَايَةِ على الحُصَانِ كَأَجْرٍ لَهُ قَبْلَ أنْ يَنْتَقِلَ السِّيرك إلى مَدِيْنةٍ أُخْرَى..

فَرِحَ سَعْدُ بِهَذَا العَرْضِ..

وَعَدَهُ أَبُوْهُ بِأَنَّهُ سَيَبْنِي لِلْحُصَانِ بَيْتاً صِغَيْراً في حَدِيْقَةِ المَنْزِلِ، يَنْتَهِي قَبْلَ نِهَايَةِ عُروضِ السِّيرك..

 

اشْتَهَرَ سَعْدُ في المَدِيْنَةِ كَأَفْضَلِ مُدَرِّبٍ لِلأَحْصِنَةِ..

عَاشَ الحُصَانُ البنّيُّ بَقِيّةَ حَيَاتِهِ سَعِيْداً بِبَيْتِهِ الجَدِيدْ.. مَعَ أَصْدِقَائِهِ الجُدُدْ

 

 

المزيد من النصوص 

 

https://www.oman-edu.com/2020/01/pdf_7.html

 

إرسال تعليق

3 تعليقات

  1. الْـوَطَـن
    جَـعَــلَ اللهُ الْأَرْضَ لِلأَنَامِ يَـسْـكْــنُـونَ فِـيـهَـا وَيَـعِـيـشُــونَ عَـلَـى ثَــرَاهَــا، فَالْأَرْضُ هِـيَ الْأُمُّ الّـتِـي مِـنْهَـا خَـلَـقَـنَا الله تَـعَـالَى وَإِلَـيْـهَـا يُعِـيـدُنَـا، وَقَــدْ اِسْـتَـفَادَ الْإِنْـسَـانُ مِنْ خَـيْـرَاتِ الْأَرْضِ مِنْ مِيَاهَ وَأَشْجَـارَ وَثَـرَوَاتٍ حَـيَـوَانِيَّةٍ وَكُـنُـوزٍ طَـبِيـعِـيَـّةٍ وَغَــيْــرَ ذَلِكَ، فَــسَـكَنَ فِي هَـذِهِ الْأَرْضِ كُلُّ قَـوْمٍ أَوْ قَـبِـيـلَةٍ أَوْ تَـجَـمُّعٍ سُكَّانِيٍّ مُـعَـيَّــنٍ بِـحَـسَبِ مَا تَـهَـيَّــأَ لَهُم الْعَـيْـشُ عَــلَـيْـهَـا وَاسْـتَـوْطَنُـوا فِـيهَـا، وَأَصْبَـحَـتْ هَـذِهِ الْأَرْضُ بِـعُـمُومِهَا مَوْطِنًا لِلْإِنْسَانِ، وَعَـلَى مُسْـتَــوَىً أَكْـثَـرُ تَـخَصِيـصًا أَصْـبَــحَ لِكُـلِّ جَـمَاعَةٍ بَـشَـرِيَّةٍ وَطَــنـُــهُــم الْخَـاصُّ بِـهِــم.

    ردحذف
  2. فَـضْلُ الْـوَطَنِ
    لِلْوَطِـنِ فَـضْلٌ عَـظِـيمٌ لا يُـنْـكِـرُهُ إلَّا جَـاحِـدٌ وَلَا يُـنْـكِـرْهُ إلّا ظَـالِــمٌ، وَلِأَهَـمِّـيّـةِ الْوَطَنِ الْـعَـظِـيـمَـةِ وَارْتِـبَـاطِـه بِالْإنـْـسـانِ فَـقَـد قَـرَنَ اللهُ تَـعَـالَى تَـرْكُ الْأَوْطَـانِ بِالْـقَـتْـلِ، فَـهُـمَا مِنْ أَعْـظَـمِ الْمَصَائِبِ الّتي مِنَ الْـمُـمْكِـنِ أَنْ تُـحِـيـط بِالْإنْـسَانِ إمّا أَنْ يُقْـتـلَ أَوْ يُخْـرَجَ مِنْ بَـلَـدِهِ، وَلِلْـوَطَـنِ فَـضْـلٌ كَـبِـيـرٌ ، فَـهُـوَ يُـوَفِّـر لَهُم الْـعَـيـشَ الْآمِنَ، والْـمُـقـوِّمَاتِ الّتِي يَـسْـتَـظِـلِّـونَ بِـظِـلَالِـهَـا مِنْ حَـيْـثُ تَـقْـدِيم الْمَأْوَى وَالْـمَـلْـبَـسِ وَالْـمَـأْكَلِ وَالْـمَـشْـرَبِ، فَـهُـوَ أمُّـهُـم الّـتِي تَـرْعَـاهُـمُ وَهُـوَ بَـيْـتُـهُـمُ الْـكَـبِـيـر الّـذِي يَـضُمُّـهُـم، فَـلا يَـهْـنَأُ بِـعَـيْـشٍ مَـنْ كَانَ بِلَا وَطَـنٍ، وَلَا يَـسْـتَـلِـذُّ بِـأَمْرٍ مَنْ شَرَّدَتْـهُ السُّــبُـل .

    ردحذف
  3. الْـبَـطْـرِيــــق

    البَطْريقُ طائِرٌ مائِيٌّ يَصِلُ ارْتِفاعُهُ بَيْنَ 40 إلى 120 سنتيمترًا، صَدْرُهُ أبْيَضُ وَظَهْرُهُ بُنِّيُّ اللوْنِ أوْ رَماديّ. قَدَماهُ قَصيرتانِ وَيَسْتَطيعُ الْوُقوفَ علَيْها مُسْتَقيمًا مِثْلَ الإِنْسانِ، وَهُوَ يَمْشي بِطَريقَةٍ بَطيئَةٍ وَغَريبةٍ تُثيرُ الضَّحِكَ أحيانًا.
    الْبَطريقُ سبّاحٌ ماهِرٌ وَلَيْسَ بِعَدّاءٍ كَطائِرِ النَّعامَةِ، ولا يَسْتِطيعُ الطَّيَرانَ لأَنَّ جَناحَيْهِ قَصيرانِ وَيُشْبِهانِ الزَّعانِفَ لِعَدَمِ اسْتِخْدامِهِ لَهُما.
    ألْبَطْريقُ طائِرٌ اجْتِماعيٌّ يَعيشُ أسْرابًا قَدْ يَبْلُغُ عَدَدُ أَفْرادُ الْواحدِ مِنْها بِضْعَةَ آلافٍ.
    تَضَعُ الأُنْثى بَيْضَةً أوْ بَيْضَتَيْنِ ولا تَأْكُلُ أَثْناءَ فَتْرَةِ الْحَضانَةِ.



    ردحذف