شرح قصيدة المتنبي (ما أبتغي جلَّ أن يُسمى )

المؤنس للصف الثاني عشر الفصل الدراسي  الأول - المحور الأول أبو الطيب المتنبي 

الغرض الشعري من القصيدة هو رثاء جدته لأمه، لكنه رثاء ممزوج بالفخر كعادة المتنبي
في كافة أغراضه. والقصيدة من البحر الطويل: (فعولن مفاعيلن فعولن مفاعيلن) وقافيتها: الميم تتلوها ألف المدّ؛ لتنفّس عمّا في داخل الشاعر من ألم وحزن وقلق.

1 . ألا لا أُري الأحداثَ حَمْدًا ولا ذمّا    فما بَطْشُها جَهْلًا ولا كَفُّها حِلْما
ألا: حرف استفتاح وتنبيه.  أُري: أظْهِر: على وزن أُفْعِل، وهو فعل مضارع يفيد الاستمرار والتجدد. الأحداث: تقلبات الدهر ومصائبه، والمفرد: حَدَث.
حمدًا: مدحًا وثناءً.       ذمًّا: إساءة (حمدًا ذمًّا، المحسّن البديعي طباق)
البطش: الأخذ بالقوة والغلبة والمقدرة.      جهلًا: سفهًا وطيشًا
كفُّ: (ك ف ف) امتنع وتوقف.  حِلْما: الأناة وضبط النفس مع القوة والقدرة.
ما بَطْشُها جَهْلًا    ولا كَفُّها حِلْما: (المحسن البديعي المقابلة).
الشرح: لا أظهر لحوادث الدهر ومصائبه إساءةً أو ذمًّا، ولا أثني عليها إذا شملتني بحلمها وكفّت أذاها عني؛ لأن ذلك قدرُها وعادتها، وهو قدر الله، وتنسب الأفعال إليها مجازًا واستعارةً.
2. إلى مثلِ ما كانَ الفتى مَرْجِعُ الفتى           يعودُ كما أُبدي، ويُكْري كما أَرْمى
أبدي: أصلها أبْدِئ، وخُففت الهمزة: بدأ وأبدأ: خلق
يُكري: قلّ المال أو نفد الزاد.    أَرْمى: زاد وكثر (المحسن البديعي طباق)
الشرح: إن كل واحد يرجع إلى مثل ما كان عليه من العدم، ويعود إلى حالته الأولى كما أُبدئ، والإنسان إذا بلغ الغاية من العمر أخذ عمره في النقصان إلى أن يعود إلى ما كان عليه ابتداء من العدم.
البيتان 1 و2 يُعدان من أبيات الحكمة.
3. لكِ اللهُ منْ مَفْجوعةٍ بِحبيبِها         قتيلةِ شوقٍ غيرَ مُلْحِقِها وَصْما
لك اللهُ: جملة اسمية دعائية (يرحمُك اللهُ)   المفجوعة : (ف ج ع) المتألمة المتوجعة   بحبيبها: الشاعر نفسه             وصْما: العيب، العار، النقيصة
قتيلة شوق: إضافة النكرة إلى النكرة، تفيد التخصيص، وتدلّ على شدة الألم والحزن.
 الشرح: يدعو الله أن يتغمّد جدّته بواسع رحمته، فهي قُتِلتْ بسبب شوقها إليه، وهذا الشوق لا يُلْحقُ بها عارًا أو عيبًا؛ لأنه شوق الجدة إلى حفيدها.
4. بكيتُ عليها خِيفةً في حياتِها         وذاقَ كلانا ثُكْلَ صاحبِه قِدْما
خيفةً: خشية     ذاق: استطعم
ثكل: فقدان الحبيب، والغالب استخدامها عند فقد الرجل والمرأة ولدهما.     قِدما: قديمًا
ذاق كلانا: كلانا فاعل مرفوع بالألف؛ لأنه ملحق بالمثنى، وهو استعارة مكنية.
الشرح: كنت أبكي عليها في حياتها حبًّا في لقائها أو خوفًا من فقدها، لكنّ حوادث الزمن فرّقت بيننا، وتغربتُ عنها فذاق كلٌّ منا فَقْدَ صاحبه قبل الموت.
5. عَرَفتُ اللَيالي قَبلَ ما صَنَعَتْ بِنا       فَلَمّا دَهَتني لَم تَزِدني بِها عِلما
الليالي: حوادث الدهر ومصائبه    دَهَت: أصابت.  عرفت الليالي: استعارة مكنية
الشرح: كنت عالمًا وخبيرًا بحوادث الدهر، وتفريقها بين الأحبة قبل أن تصنع بنا هذا التفريق، فلما حلّت بي هذه المصيبة (موت جدته) لم تزدني بها علمًا لأنني كنت أعرف ذلك منها.
6. أَتاها كِتابي بَعدَ يَأسٍ وَتَرْحَةٍ                  فَماتَتْ سُرورًا بي فَمِتُّ بِها غمّا
الكتاب: الرسالة   يأس: انقطاع الأمل     تَرحة، غمّا: حزن    أتاها كتابي: استعارة مكنية.
ماتت سرورًا بي، متُّ بها غمّا (المحسن البديعي مقابلة)
عندما وصلتها رسالتي بعد غيبة طويلة، ويأسها من عودتي وحزنها عليّ، فَرِحتْ بها فرحًا شديدًا كان أقوى من أن يحتملَه قلبُها الضعيف، فماتتْ من شدة الفرح والسرور، فاشتدَّ حزني عليها فكأني مِتُّ بها غمًا؛ لأنني أحسستُ أني السبب في موتِها.
7. حَرامٌ عَلى قَلبي السُرورُ فَإِنَّني                أَعُدُّ الَّذي ماتَت بِهِ بَعدَها سُمّا
على قلبي: مجاز مرسل علاقته الجزئية.
إن السرور أصبح حرامًا عليَّ فإنني بعد موتها بالسرور الذي سببته رسالتي صرت أعد الفرح والسرور الذي قتلها، بمثابة السمّ فأتجنبه وأحرمه على نفسي.
8. رَقا دَمعُها الجاري وَجَفَّتْ جُفونُها      وَفارَقَ حُبّي قَلبَها بَعدَ ما أَدمى
رقا دمعُها: تخفيف رقأ، جفّ الدمع وانقطع.   أدمى: جرح وأسال الدم.
جفّ، جفون (المحسن البديعي جناس ناقص)
لما ماتت انقطع ما كان يجري من دمعها على فراقي ويبست جفونها، أي أنها كانت تبكي عليَّ وتحزن بسببي، فأراحها الموت من البكاء عليّ والشوق إليَّ، فجفّت دموعُها وفارق حبي قلبها بعد ما جرحه وأسال دمه.
9. وَلَم يُسْلِها إِلّا المَنايا وَإِنَّما      أَشَدُّ مِنَ السُقمِ الَّذي أَذهَبَ السُقما
يُسلي: (س ل و) ينسي    المنايا: جمع منيّة وهي الموت   السُقْم: المرض
لم ينسْها حبي إلا الموت، الذي هو أشد من السقم الذي كان بها، وقد أذهب الموتُ ما نالها من السقم جزعًا عليّ، أي أن الذي أذهب ذلك السقم كان أشدَّ عليها من السقم.
10. وَكُنتُ قُبَيلَ المَوتِ أَستَعظِمُ النَوى    فَقَد صارَتِ الصُغرى الَّتي كانَتِ العُظمى
قبيل: تصغير قبل.       أستعظم: أجده عظيمًا     النوى: الفراق، البعد، الهجر
الصغرى: تعني البعد، وشدة الشوق         العظمى: تعني الموت
صارت الصغرى، كانت العظمى (المحسن البديعي مقابلة)
كنت قبل موتها أستعظم فراقها، فلما ماتت صارت حادثة الفراق صغيرة، بعد أنْ كانت عظيمة، يعني أن موتها أعظم من فراقها.
11. هَبيني أَخَذتُ الثَأرَ فيكِ مِنَ العِدا    فَكَيفَ بِأَخذِ الثَأرِ فيكِ مِنَ الحُمّى
هبْ: احسب، افرض (إنشاء طلبي، أسلوبه الأمر)     العِدا: الأعداء    الحُمّى: علة أو مرض ترتفع فيه حرارة الجسم.
احسبيني أخذت ثأرك من الأعداء الذين حرموني رؤيتك، فكيف آخذ ثأرك من العلة التي قتلتك، وهي العدو الذي لا سبيل إليه ولا قدرة عليه.
12. وَما انسَدَّتِ الدُنيا عَلَيَّ لِضيقِها              وَلَكِنَّ طَرْفًا لا أَراكِ بِهِ أَعمى
انسدت: انغلقت     لضيقها: أي بسبب كونها ضيقة      طرفًا: عينًا    أرى، أعمى: طباق إيجاب         
ما انغلقت الدنيا عليّ لكونها ضيقه؛ ولكن بسبب فقدك، فقد صرتُ بعد موتك كالأعمى، (فالعين التي لا أراك بها عمياء). وعجز البيت تعليل للصدر.
13.  تَغَرَّبَ لا مُستَعظِمًا غَيرَ نَفسِهِ              وَلا قابِلاً إِلّا لِخالِقِهِ حُكْما
تَغَرّب: رحل عن بلاده     لا مستعظِمًا غير نفسه: لا يجد عظيمًا، ومُفَخَّمًا غير نفسه.  
لا قابلًا: لا يرضى       خالقه: الله               حكما: حاكمًا عليه
تحوّل في الحديث عن نفسه من أسلوب المتكلم إلى أسلوب الغائب، فهو قد تغرَّب (خرج) عن بلده إلى الغربة؛ لأنه لا يستعظم أحدًا غير نفسه، ولا يرى أحدًا فوقه، فأراد أن يغادر الذين كانوا يتعالون عليه بغير استحقاق، ولا يقبل حكم أحد عليه إلا حكم اللّه الذي خلقه. وهو هنا يعلل سبب خروجه من بلده وابتعاده عن جدته.
14. ولا سالِكًا إِلّا فُؤادَ عَجاجَةٍ           وَلا واجِدًا إِلّا لِمَكرُمَةٍ طَعما
سالكًا: داخلا، عابرًا              فؤاد : (ف أ د)  قلب، وسط، والجمع أفئدة
العجاجة: (ع ج ج) غبار المعركة، والجمع (عَجاج)
واجدًا: مُلاقيًا            مكرمة: فعل الخير والأمور العظيمة والجمع مكارم     طعمًا: لذة.
ولا أسلك طريقًا إلا قلبَ غبار الحرب، ولا أستلذ طعمَ شيءٍ إلا طعم المكارم: يعني لا أجد لذتي إلا في اثنتين: الحرب والمكارم.
*في البيتين 13و 14، أسلوب قصر بالنفي وإلا.
*غيرَ، حكما، فؤادَ، طعما: مفعول به لاسم الفاعل: مستعظِمًا، قابلًا، سالكًا، واجدًا، على الترتيب.
15. يَقولونَ لي: ما أَنتَ في كُلِّ بَلدَةٍ؟  وَما تَبتَغي؟، ما أَبتَغي جَلَّ أَن يُسمى
يقولون: فعل مضارع يفيد الاستمرار والتجدد، مسند لواو الجماعة دلالة على أهمية الشاعر وانشغال الناس به.
ما أنت، ما تبتغي: ما الذي تطلبه؟  ما: للاستفهام       ما أنت: أي ما أنت صانع. على حذف الخبر. ما أبتغي: ما: اسم موصول بمعنى الذي.     جلَّ أن يُسمى: أعظم من أن يُذكَر.
 يسألني الناس حين يتعجبون من كثرة أسفاري وانتقالي وترحالي: أي شيء أنت؟ وما الذي تطلبه؟  فإنّا نراك في كل بلدة، فأجيبهم: إن ما أطلبه أجلُّ من أن يذكر اسمه، ربما يقصد المُلك والرئاسة أو سوى ذلك.
16. وَما الجَمعُ بَينَ الماءِ وَالنارِ في يَدي        بِأَصعَبَ مِن أَن أَجمَعَ الجَدَّ وَالفَهما
الجَدّ: (ج د د) الحظ جمعها (جدود)              الفهم: العلم والفقه
إن الجمع بين الماء والنار في موضع واحد، ليس بأصعب من الجمع بين الحظ والعلم في الدنيا، فقلما تجتمع الأضداد، وهنا يفخر بأنه يسعى للجمع بين الحظ والعقل.
17. وَإِنّي لَمِن قَومٍ كَأَنَّ نُفوسَنا                 بِها أَنَفٌ أَن تَسكُنَ اللَحمَ وَالعَظما
الأنَف: رفض الشيء بعزة وحمية وإباء           تسكن: تبقى وتستقر
اللحم والعظم: كناية عن الجسد
إني من قوم طباعهم خوض المعارك دومًا ليُقْتلوا، فكأن نفوسنا ترى السكنى في أجساد من لحم وعظم عارًا تأنف منه، ومن ثم تتطلع للتخلُّص من هذا العار: أي تختار القتل على الحياة، (والبيت يدل على فخره بقومه).
18. كَذا أَنا يا دُنيا إِذا شِئتِ فَاذهَبي     وَيا نَفسُ زيدي في كَرائِهِها قُدما
الكرائه: مفردها ( كريهة)،  الحرب أو الشدة في الحرب والنازلة.          قدما: تقدما
يا دنيا، يا نفس: إنشاء طلبي، أسلوبه النداء.  اذهبي، زيدي: إنشاء طلبي، أسلوبه الأمر.
 يخاطب الدنيا: أنا كما وصفتُ نفسي لا أقبل ضيمًا ولا أقترب من الدنايا، فاذهبي عني.
ويخاطب نفسه: ويا نفسي كوني نفسًا عظيمةً عزيزةً، وارفضي الانقياد لمغريات الدنيا، وربما يقصد: يا نفسي زيدي تقدمًا واندفاعًا في الحروب.
19.  فَلا عَبَرَتْ بي ساعَةٌ لا تُعِزُّني      وَلا صَحِبَتْني مُهْجَةٌ تَقبَلُ الظُلما
عبرت: مرّت    لا تُعزِّني: لا تجعلني عزيزًا كريمًا        المهجة: الروح والنفس جمعها مُهَج
لا مرتْ بي ساعةٌ- لحظة- لا أكون فيها عزيزًا، ولا صحبتني نفسٌ تقبل أن يظلمَها أحدٌ.
(يتمنى الموت إذا كان لا يستطيع أن يعيش عزيزًا كريمًا في هذه الدنيا، فالموت خير من الحياة)
ملاحظات:
الأفكار: واضحة مترابطة، وهي تنبعث من الجو النفسي لدى الشاعر.
العاطفة: صادقة؛ لأن الشاعر يرثي جدته.
الألفاظ: قوية معبرة فيها جزالة.
الصور: أكثر الشاعر من الاستعارات والتشبيه والكناية؛ لتوضيح المعنى وتقويته وتشخيصه.
المحسنات: غير متكلفة، وبخاصة الطباق والمقابلة والجناس، وهي تزيّن المعنى وتحسّنه.
تنقّل الشاعر بين: الحزن والفخر والحكمة، يغوص في أعماق نفسه يستنبط آلامها وآمالها، يحلل ويعلل
ويستنتج، ويصوغ قصيدة جميلة محيرة، تشابه حيرتنا في الشاعر نفسه.
لحظة الحزن لم تؤدِ إلى انكسار الشاعر بل زادته قوة، ومنحته طاقة إيجابية؛ لينطلق في البحث عن المجد والسؤدد من جديد.
التجديد في القصيدة يبدو من خلال: رثاء الجدة وهو غرض غير مألوف في الشعر العربي، ومن خلال انتقاله من الرثاء إلى الفخر الممتزج بالتعالي والأنفة والعزة، رادًّا على الحاسدين والشامتين والكارهين.

إرسال تعليق

1 تعليقات